السيد عبد الأعلى السبزواري
31
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
تقدّم آنفا أنه يمكن أن يجتمع مع الأسباب المعنوية أيضا . وأما قوله عليه السّلام : « ثم تصير لحما تجري فيه عروق مشتبكة » ، قد ورد في ذلك كمية وكيفية نصوص كثيرة ، وقد كشف العلم الحديث كثيرا منها ، وفرّع الفقهاء على ذلك تعيين دية ما في الأرحام . وأما قوله عليه السّلام : « ثم يبعث اللّه ملكين خلّاقين » ، يصحّ أن يعبّر عن القوة الخلّاقة بالملك ، لأن الطبيعة بأجزائها وجزئياتها كلّها من جنود اللّه تعالى . وأما قوله عليه السّلام : « يقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة » ، المراد من الاقتحام هو تشبيه المعقول بالمحسوس ، توضيحا للأفهام وتشريفا للملك ، فإنه مختصّ بأعالي البدن ، وفي الحديث : « نظفوا المأزقتين فإنهما محل الرقيب والعتيد » ، والملك إن كان جسما لطيفا فهو ألطف من البخار الحاصل من حركة الدم ، فاقتحامه في البطن والعروق معلوم ، ويعبّر عن ذلك في الفلسفة ب ( الروح البخاري ) ، وإن كان مجرّدا فهو أوضح من أن يخفى ، فيكون من سنخ الإدراكات المحسوسة التي توجب حصول صورة في النفس ، وكما أن أعالي البدن موكولة بالملك فأسافلها موكولة بافعال الشيطان ، كما يظهر من روايات كثيرة . وأما قوله عليه السّلام : « فيصلان إلى الرحم وفيها الروح القديمة المنقولة في أصلاب الرجال وأرحام النساء » ، يمكن أن يراد من الروح القديمة موضع مادة الروح ، وهي ماء الرجل وماء المرأة معا ، فيكون بمنزلة الموضوع لتعلّق الحياة به ، والتعبير ب « القديمة » لفرض التقدّم الزماني على نفخ الروح الحياتي ، فالمراد به القدم الإضافي ، لا القدم الحقيقي . وأما قوله عليه السّلام : « فينفخان فيها روح الحياة والبقاء ويشقّان له السمع والبصر والجوارح وجميع ما في البطن بإذن اللّه تعالى » ، يصحّ انطباق ذلك كلّه على القوى الطبيعيّة المسخّرة تحت أمر اللّه تبارك وتعالى ، فإن شئت فسمّها ملكا ، وإن شئت فسمّها قوى طبيعية مسخّرة تحت إرادة اللّه عزّ وجلّ ، ويصحّ التعبير في جميع ذلك ب ( الحركة الجوهرية ) ، التي هي تحت إرادته عزّ وجلّ ، لأن إرادته الأزلية